محمد عبد المنعم خفاجي
360
الأزهر في ألف عام
رجعوا إليهم ، لا يبغون من وراء ذلك مالا ولا جاها ولا شهرة . ويعني الأزهر فيما يعني الخانقاة التي آوت العباد والزهاد والوعاظ وحفظة القرآن وحملة البركة . ويعني الأزهر فيما يعني القاعدة الروحية التي كان يخشاها المستعمرون فحاولوا سرا وعلنا أن يدمروها ليتقوها ، فلما استيأسوا من تدميرها أو إضعاف تأثيرها سالموها ونافقوها . ثم جهدوا أن يستميلوها ليستغلوها . ويعني الأزهر فيما يعني ، الصرح الوطني الذي أجج الثورات على الفساد ، وخرّج القيادات للجهاد ، وقام من نهضة العرب الحديثة مقام الرأس واليد ، يمدها بالروح ويرفدها بالقوة . ثار على الغزو الفرنسي بقيادة ستة من علمائه ، وثار على الطغيان التركي بقيادة شيخه عبد الله الشرقاوي ، وثار على الظلم الخديو بقيادة ابنه أحمد عرابي ، وثار على الاحتلال البريطاني بقيادة ابنه سعد زغلول . كل أولئك يعنيه لفظ الأزهر ، وأكثر من أولئك يلازم معنى الأزهر ، ولكني بسبيل الحديث عن نصيب اللغة العربية من فضل الأزهر فلا أخوض في حديث غيره . إن فضل الأزهر على اللغة العربية مستمد من فضل القرآن الكريم عليها ؛ وبعض فضله أنه كسبها عذوبة في اللفظ ورقة في التركيب ودقة في الأداء وقوة في المنطق وثروة في المعاني . وكان سببا في استحداث العلوم الشرعية والأدبية التي حفظت مادتها بالقواعد وفي المعجمات ، ووسعت دائرتها بالألفاظ والمصطلحات ، كالنحو والصرف والاشتقاق لدفع اللحن عنه ، والمعاني والبيان والبديع لتقرير الإعجاز فيه ، وعلى اللغة والأدب لتفسير غريبه وتوضيح مشكله ، والحديث والأصول والفقه والتفسير لاستنباط أحكام الشرع منه ، وهو الذي وحدها على كل لسان ، ونشرها معه في كل